أحمد ضحية

أحمد ضحية: لا وطن في الحنين: القسم الثاني: عالم عبده الخال 02

سافر عبده الخال في ذاكرة البنجوس، إلى مضارب قبيلة في الوادي القصي، لا تزال تموت بأمراض منقرضة.. في سوق الاثنين “أمدور ور”شدت صبية واسعة العينين انتباهه. كانت مراهقة ملظلظة، تتبدى عن بداوتها، وبريتها، بجنون لأحد له.. قال الدليل، الذي كأنه خرج للتو من أعماق جل نامي:
– إنها تظهر في السوق فقط، لا أحد يعرف إلى أي القبائل تنتمي، أو أين تمضي أيامها. تغيب في الفلاة، كأن الجبال البعيدة تستردها، لتعيدها في يوم السوق.. الجميع يهابها ك”إياباسي” زمزم، أو “الميرم” تاجا، فهي عنيدة وشرسة كأنها تخرج من مجد الجبل..
توغلته حكايتها، تسربت مسامه، تحكمت في مسارات ذاكرته، وملأت الفراغات، الدوائر، الخلايا.. كإرتعاشة كهربية متموجة، تملأ فجوات الذاكرة وتفيض..
دفعه الفضول لارتياد “الباجة” مع الرعيان، والطوف الأمني. التف الجميع حول غزالة جميلة، يطوقونها دون أن تشعر. حاصروها، عند عودته من ذاكرة الكومندان، قال عادل لعبده الخال:
– كانت الغزالة تشبه تلك الفتاة الغامضة، اياباسي عنيدة مثلها.. كنا نقترب منها بخراطيشنا، وكانت تقف على نحو مدهش. هادئة، كأن الأمر لا يعنيها.. كنت أرى الغزالة تتبدى عن عائشة يا عبده!
– بينما يجن جنون سلمى؟ إنها قلقة عليك..
– أنت تعلم إنني أحب عائشة.
– وسلمى؟!
– لا أستطيع الاستغناء عنها..
قوى خفية تدفعه. تتحكم فيه. قوى لا ملامح محددة لها، مثل عائشة خلف حجاب، نقاب، ستار.. قوى غامضة، تماما كشيء من الجنون والحجب والكراهية والوهم. شيء أزلي يسلبك إرادة المقاومة، يستنزفك ويسحبك إلى مفاوز ومغارات ملونة، وبيداء تضوع بعطر المخاطر، التي لا حد لها، شيء مهلك في تلك الغزالة، وهي ترسف في دمها، الذي تفجر بغتة من صدرها، فلم تعد تلك الفتاة تظهر في السوق. كانت قد اختفت كفص ملح في أرخبيل عريض!!
– إنها لعبة البنجوس يا عادل، انه يضحك علينا، يتلاعب بأخيلتنا وصورنا، ويجعل من ذاكرتنا شيء هلامي نعجز عن الإمساك به!
– لا، بل الجر ثوم الموروث في دمي.. لعنة الوادي.. تعبث بي، تأسرني، كيما تحدد هويتي التي لا أستطيع إدراكها.
– بل لعبة الايدولوجيا.
– ومع ذلك كل شيء محض أكاذيب وهراءات ومزاعم، تخيل وطنا بكامله ينهض في الهراءات والمزاعم!
سحب عادل العود، كما كان يسحب البنجوس ربابته في زمن انقضى. اغمد الوتر في وجه عائشة. عزف النزع الأخير بدمها الذي ضرج ذاكرته، وانتظر ريثما تهدأ أنفاس الجميع، ليتسرب الغسق وارتعاشات المساء بلحن حزين!

أحمد ضحية، تجاعيد ذاكرة البنجوس (الجزء الثاني من لا وطن في الحنين)

السابق
أحمد ضحية: لا وطن في الحنين: القسم الثاني: عالم عبده الخال 03
التالي
أحمد ضحية: لا وطن في الحنين: القسم الثاني: عالم عبده الخال 01