أحمد ضحية

أحمد ضحية: لا وطن في الحنين: القسم الثاني: عالم عبده الخال 01

ينتقل عبده الخال بقلمه من نقطة لأخرى على الخريطة المفرودة أمامهما، ناهبا الطريق في إقليم السافنا يشير لعادل: الرمال، الشجيرات القصيرة المتفرقة، الأعشاب الكالحة وأشجار التبلدي، التي تمد أغصانها باتجاه البرق الذي يلوح في أفق السماء.. البرق العبادي…
مع البرق العبادي تتشتت الذاكرة، تنساب الصور مختلطة، مشاهد مبعثرة، فمع البرق العبادي، يبدأ كل شيء في مسيرة التحولات أو التخيلات، التي بوساطتها يحاولان التحرر والخلاص من هواجس ظلت تلاحقهما، لوقت طويل..
هواجس ليست واضحة حتى له هو عبده الخال بالذات.. هواجس دنت منهم جميعا، متسحبة رويدا رويدا إلى أن أغلقتهم داخلها..
فلم يعودوا يرون سوى أخيلة مشتركة، تنبثق من ذاكرة الكومندان، قوامها المدن البائدة، وجرح الحبيب. الشوارع التي وطأتها أقدامهم، الدروب، الناس والبرق العبادي. إحساس غريب ينبثق من هذا البرق، ليتغلغل في أعصابهم جميعا فيدفع بعضهم إلى الانتحار وبعضهم الأخر للجنون، وبعضهم للهجر والابتعاد أو الاختفاء الغامض. كانوا جميعا يدركون أن البرق العبادي هو لمع خاطف لروح الكومندان التي حبستهم، وانه يخلخل كل شيء فيهم، حتى لا يعودون هم: هم ذاتهم..
قالت سارة: يتسلل الكومندان لعنات، مخبأة في قماقم مرصودة منذ آلاف السنين، يرمي لعنته في فضاء المدينة، التي تمضي لسهرتها للتو، ويمضي في صمت الغسق التالي، والسكون العميق الذي تتبدى عنه الذاكرة السرية مستنزفة بمحمولاتها، مشاعري الحبيسة، فانداح كظلال غائرة في البعيد: محض انثى تحت وطء فحلها البنجوس…
نعم جلس الكومندان قربي. جاء صوته عميقا، عميقا كتنهيدة تخرج من أغوار حلم جميل. كآهة عذبة يبحها وتر مكتوم، بذكرى حميمة لعاشقين اصطليا بنار الوجد، وتجمدا في لحظة وأحدة بين نقر الوتر وآهته الشجية. كان الكومندان يتماهى في كل شيء في فضاء الغرفة بأنفه ذاته الذي يخترق أحلامي في النوم واليقظة.
قبل قدومه بوقت طويل كنت أراه. وفي تلك الظهيرة قبل أن يجيء رايته وأنا أطأ الحمام. شعور غريب بين الصحو والنوم انتابني لحظتها، وأنا أتعرى للماء. كنت كأنني اكتشف جسدي للمرة الأولى، موحشا، يابسا، موغلا في العذاب..
استعذت واستغفرت وتحصنت. لكن اخترق الكومندان التعاويذ والحصون، سال مع الماء، وبللني. تسلل عميقا عميقا. كنت أتوه وأغوص في خدر متقطعة الأنفاس. وقلبي ينتفض في عنف. لم اعرف كم مر علي من الوقت وأنا على هذه الحالة من الغفران والصفح.
جففت نفسي. ارتديت ملابسي، ودخلت غرفتي. كنت كالمنومة مغناطيسيا. وأنا أرى الكومندان يطوقني، يحاصرني. تناثرت ثيابنا في فضاء الغرفة وتماهت في أخيلتها، وبدا لي الكومندان شخصا أخر فتيا يحمل جسد الكومندان. شخص اعرفه ولا اعرفه. غبت فيه تعتصرني عضلاته، تخدرني رائحة العرق. كنت مأخوذة دون إرادة. دون وعي. دون هوية. دون تاريخ. أو جغرافيا، كالحلم. الزنخ، الحمى، الحكايا، رغوة الصابون.. وحدي في المكان المبلل بوهم – ربما – لذيذ يفرض سطوته على الألم العذب الذي كان يسري شفيفا في عروقي. ولم يكن للكومندان أثر. كيف حدث ذلك: لا أدرى. هل حدث فعلا: لا أدري!
تأوهت وأنا أحاول تجميع نفسي كالمخبولة. تحصنت مرة أخرى واستعذت واستغفرت وأطلقت بخور اللبان الضكر ليطرد الشياطين. ومع انعقاد الدخان وتسلله خلايا الغرفة، بدأت الأخيلة والحلم والذكريات، تتلاشى في ذاكرة الجدار لتغادر الغرفة، مع دخان اللبان الضكر. كان وعيي قد عاد. حاولت أن أتأكد مرة أخرى أن الأمر لا يتعدى أضغاث الأحلام. لكن وجدت أيقونة الكومندان معلقة على عنقي!

أحمد ضحية، تجاعيد ذاكرة البنجوس (الجزء الثاني من لا وطن في الحنين)

السابق
أحمد ضحية: لا وطن في الحنين: القسم الثاني: عالم عبده الخال 02