فتيحة أعرور

رجل من زمن الحزن: عائد إلى التيه!!

تمدد على ظهره ويداه مشبوكتان خلف رأسه… يحصي عدد النجمات التي ترصع كبد السماء… يفشي لها أسرار التيه. النجوم وحدها تعرف من يكون.. في هذا الخواء أدمن انتظار مطلع القمر كل ليلة، وحين يخلف موعده تداهمه الوحشة، وكأنه بضيائه يغتسل من بقايا ماض يستعيد تفاصيله ثم يقفل عائدا إلى كوخه القابع قبالة البحر.
تعود أن يقلب صفحات زمنه المهترئة في العراء مذ تلقفه منهكا، خائر القوى.. أي قدر هذا جر قدميه إلى جزيرة تحضنه مثل امرأة أسطورية استحمت من عطر خرافي؟! عيناها تشبهان حوريات البحر.. تأتي إليه لتقابله تحت جنح الليل وتختفي مع قبلة الفجر..
في الغربة تكون المرأة الملاذ والسلوى، ترى طيفها في كل الكائنات، قد تبدو عصفورة صغيرة تحط فوق غصن شجرة، تغرد أنشودة حزينة.. أو ملكة جن تعد بالمستحيل. وحتى عروس بحر تخرج إليك ليلا من عمق الماء لتؤنس وحدتك..
“كلوديا” كانت كذلك.. الحضن والملاذ والسلوى. وهبته الأمان والحب. ضمدت جرحا نزف فيه طويلا، أعادت ترميم شروخ كبريائه..
كلوديا والوطن وجهان لعملة واحدة. الأول لفظه طريدا نحو المجهول، وهي احتملت حماقات الطفل بداخله ثم تخلت عنه في أشد لحظات احتياجه إليها.. كانت الوميض في ليل لم يلح فجره. حضن آوى غربة أيامه. يعتصره الألم ويبكي..
أيتها الموناليزا! يا امرأة بطعم الفرح والحزن.. ها أنت تسكنين زوايا عمري المسافر. الوحدة تقتلني والندم يأكل أحشائي كلوديا! لِمَ أوهمني حبك أنك لي وإلى الأبد، وأن ساعات الدهر توقفت لحظة التقينا؟ ها أنا ألوك أحزاني وأعد ما بقي من أيامي..
لما يأت القمر يكون خط واحدة من وصاياه المائة. تقول وصيته العشرون: لا تفتحوا جراح الوطن الغائرة. دعوه يتماثل للشفاء، فدمه النازف من عذاب أيامه تدفق شلالات تحيي زهور الربيع، تعيد للغد جذوة الأمل. دعوه ينبعث من رماد الجمر ماردا يشق سيفه عباءة ليالينا البهيمة، يشيد صروح الفرح ويعلق نجمات الأماسي نياشين نصر..
يا وطن الضائعين هب من وهن وارسم ملامح فجر جديد تحضن فيه طيورك المهاجرة..
لقد أدمن المنفى، الغربة أصبحت عنوانا لوجوده. يجوب الخرائط الواحدة تلو الأخرى، وما يلبث ينسج وشائج الود مع الأمكنة حتى تلفظه بقسوة.. لم يعد يرقب القمر ويعد النجوم كما كان يفعل من قبل. الحانات صارت عزاءه. تلفظه في ساعات الليل المتأخرة… يكون النبيذ قد نال من رأسه ويمضي متسكعا في ثنايا مدينة ترفض الاعتراف بأهمية وجوده.. يسير صوب النهر وخلفه تتراقص أضواء الشوارع. يغمره الأسى كلما تذكر أن الأحياء والأزقة تأمره بالرحيل.
أيتها المدينة المستحمة من دجى، ضميني إليك.. قبليني ألف مرة ثم مزقي صفحات تاريخي. أشباح الماضي تقتفى أثري. تقض مضجعي كلما حلمت بغفوة تنسيني عذاباتي. هَبي أسرارك لغريب زحف إليك هربا من جحيم الوطن!!
في ذاك الركن المنزوي من الشارع يلاقي صعاليك مثله يمضون الليل في الثرثرة فوق الجراح العارية!! في زحمة الوجوه، ينتابه الحنين إلى وجهها الذي سافر ولم يعده باللقاء.
“كلوديا”…
رحلت ولم تقبل عينيه كما اعتادت كل صباح. الأحزان تفتك به، تبعثر كراسة أيامه.. يتقدم الليل بخطى ناعسة. يهيم في السراب مطاردا وجهها. ها هي ذي خيوط الفجر تكنس ما تبقى من سواد الليل. يتأمل وجه امرأة شبه عارية على لوحة دعاية مثبتة على جدار “سوبر ماركت”. يقترب منها، تجوب أنامله شفتيها، تبتسم له، تدعوه إلى حيث يمتزجا ويحترقا رمادا.. تماما كما كانت تفعل به كلوديا…
تتجه خطاه المتأرجحة ناحية السور المطل على النهر، يتجشأ، يغني.. ثم ينفجر باكيا مثل طفل تاه عن والديه..
لكم حزنت أمه ذاك الصباح لما تفقدت فراشه ولم تجده قبل أن يداهم المخبرون البيت. تتماهى صورة أمه ووجه كلوديا، إنهما تناديانه.. يستجديهما ألا تتركانه فريسة للوحشة.
تمضي السنون بخطى سلحفاة عجوز.. ومعها يتسع الجرح. تكبر العذابات.. لقد تحول إلى كائن تافه “يبرطع” في أزمنة الضياع.. يلعن الجبن التي قادته إلى حيث يمضي أيامه ذليلا.. لم يصدق لحظة علم أن التائهين في الشتات أصبح بوسعهم العودة.. غمره الفرح وصار يرقص في الشارع مثل معتوه!
الشوق إلى الوطن يجتاحه.. يحن إلى صدر أمه حيث يدفن رأسه لما تضيق به الدنيا.. ليلتها، لم ينم.. ازدحمت صور شتى في مخيلته. غفا قليلا، ثم إذا به يهب مذعورا من كابوس كاد يسرق منه أملا عمر فيه طويلا!!
مثل عائد من المستحيل، طفق يتفحص الوجوه والشوارع والأزقة باحثا عن وجهه فيها. لقد طواه النسيان، حتى “سُليمة” بنت الجيران التي قاسمته اللعب في الزقاق لم تذكره لما صادفها قرب محطة الحافلات. تغيرت بعدما تزوجت وأنجبت دزينة من الأولاد.. صارت أكثر سمنة! إنه يعود خاوي الوفاض. كان ” إبراهيم” بقال الحي أول من تبين ملامحه. هذا الذي ابتاع منه سمك السردين المعلب والخبز وزجاجات الليمونادة.. أمه التي انتظرته طويلا لم تصدق عيناها، بدا لها مختلفا عن آخر مرة رأته فيها.. غرقت في الذهول كمن يرى حلما جميلا يخشى أن يستفيق منه ليعانق السراب. ضمته وبكت بحرقة..
ها هو ذا يجول في دروب وأزقة المدينة العتيقة. يتفقد أحوال رفاقه القدامى.. معظمهم غادر إلى العالم الآخر. وآخرون يكابدون مرضا خلفته سنوات الجمر.
العودة لم تخلصه من شبح الغربة.. ما تزال تطارده بعدما خال أن زمن التيه ولى إلى غير رجعة. الغربة تسكن الآن في دمه. أية لعنة تحلّ به! حاول عبثا أن يعيد ربط وشائج الحاضر بالأمكنة التي تغيرت ملامحها، أن ينسى ماضيه الحزين، أن يشيد جدار الأمل فيه.. حتى النساء اللواتي أحببنه كن كمن يلاحق السراب..
تنفست عميقا محدقة في عينيه بجدية تخلو مما يحتمل المزاح:
– أشك أن لديك قلبا.
يترك كلامها معلقا في الهواء..
تصمت قليلا ثم تسأل:
– ماذا يعني لك الحب؟
يسرح ببصره بعيدا ليجيب:
– الحب.. أن نعرف كيف نجعل قلوبنا رحبة فسيحة، تسع كل الناس في عالم بلا خرائط.
– أريد جوابا يفيد احتمالا واحدا، أنت تفهم قصدي جيدا!
– يبادل حنقها الطفولي بابتسامة تخفي جرحا استوطن فيه منذ الأزل:
– لنتحدث في موضوع آخر.
– اسمع .. لا يمكننا الاستمرار هكذا، أود أن أعرف إن كنت أعني لديك شيئا أم أنا مجرد رقم عابر تضيفه إلى رصيدك من النساء!!
– يجب أن تعلمي أنني كائن بالكاد يلملم شظاياه.. رجل محطم تماما، ممزق تائه، أشعر بالحاجة لأن أستفيق يوما لأجدني نسيت الذل الذي أذاقتني إياه سنوات غربتي.
بعناد امرأة جرح كبرياؤها تخيّره بين النارين:
– أكون أو لا أكون في حياتك. يجب أن تقرر.. اللحظة!
لم يفهم سبب الخوف الذي اجتاحه حينها. تزاحمت صور الماضي في رأسه. داهمه الحزن من جديد. رأى وجه كلوديا.. تبتسم له، تعده باللقاء.
انتبه من شروده تحت إلحاحها:
– أنتظر ردك..!
أشاح ببصره ناحية البحر، ثم لفظ العبارة بحنق:
– حاولي النسيان فليس بوسعي إسعاد امرأة.. كلوديا قالت لي ذلك ذات مرة.
– أي قدر أحمق قادك إلي؟ لما التقينا؟ لما أحببتك؟! لم لا تتخلص مما فات وتبدأ من جديد؟!
– صدقيني، حاولت أكثر من مرة وفشلت.
يضمها إليه، تحس بنبضات قلبه تنفد إليها. هو وشم حفرته صدفةٌ جميلة. حلم رائع في ليلة مقمرة.. كل ذرة فيها تصيح: إنه لك، لا تدعي الأيام تسلبه منك.. كانت مثل طائر صغير يحلق للمرة الأولى في أعالي السماء. كمن يسافر إلى الحرج مرتين. أما هو، فبدا له طيف كلوديا يسحبه بعيدا.. بعيدا في التّيه..
في تلك الليلة.. كانت زخات المطر تنقر خفيفا زجاج النافذة عازفة سمفونية غجرية. يذكر أن كلوديا قالت أشياء كثيرة. لم يكن كلامها مجرد حديث امرأة غاضبة. كانت واثقة مما تقول.
في تلك الليلة.. انتفضت فيها ثورة الهدوء. قالت إنه رجل شرقي ورث الاستبداد عن أجداده.. جذوره ضاربة بعمق في رمال صحراء..
قالت إنه لم يستشرها يوما في شيء يخصهما، وأنه الآمر الناهي بلا جدال.. قالت إنها احتملته كل هذه الأعوام لأنها أحبته، وأن ينابيع الصبر جفت فيها ولن تواصل دور المرأة الخنوع لنزواته!
توسّلته بنبرة حزينة وحاسمة:

– لنترك بعضنا.. احترم قراري للمرة الوحيدة في حياتك.

اخترقته الكلمات مثل سهم لم يخطئ هدفه، بعثره وتناثر في الوهن. سرت في جسده قشعريرة الموت.. أيقن أنها المرة الأخيرة التي يراها فيها. في الغد عبر إلى منفاه الآخر حيث يفوح أريج كلوديا من مسامه..

.. إلى حيث يطارد طيفها في عتمة الليل ووجوه النساء..

(فتيحة أعرور: رجل من زمن الحزن: عائد إلى التيه!!)

 

السابق
رجل آيل للبكاء
التالي
امرأة من سلالة الشياطين – الفصل 02