كتاب الفرنكوفونية والتعريب وتدريس اللغات الأجنبية في المغرب

الفرنكوفونية والتعريب وتدريس اللغات الأجنبية في المغرب – ترجمة محمد أسليم

تقديـــم

بقلم: محمد أسليــم

تعتبر اللغة واحدا من الأبعاد الأشد أهمية في حياة الأفراد والمجتمعات،إذ بها تتم التنشئة الاجتماعية للفرد، وضمنها أنماط التفكير والتمثلات التي يشيد بها هذا الفرد علاقته مع نفسه ومع محيطه الطبيعي والبشري.

وإذا كانت الحياة ضمن جماعات بشرية مغلقة قد لا تطرح مشاكل كبرى، بالنظر إلى كل الأفراد في هذه الحالة يتلقون تأطيرا لغويا واحدا يشكل المرجع المشترك للمعتقدات والأساطير والتمثلات والسلوكات السائدة في المجموعة المعنية، فأن الأمر بصير بخلاف ذلك عندما يتعلق بجماعات يتحتم عليها الاتصال بمجموعات أخرى ذات أنماط وقيم تحملها لغات مختلفة ، محلية أو خارجية، ولاسيما عندما يترتب عن هذا الاتصال قيام علاقات غير متكافئة بين اللغات والمجموعات التي تتكلمها. ذلك أن عددا كبيرا من الأسئلة يطرح نفسه آنذاك بإلحاح:أي وضع ينبغي إعطاؤه للغتين المحلية والأجنبية، على السواء، عندما تكون الأولى مشحونة بالتقاليد، وكنا لهوية قديمة،والثانية محملة بالحداثة ومؤشرة على هوية مختلفة؟ كيف ينبغي –في حالة المغرب مثلا –تدبير مجموع اللهجات المحلية، العربية والأمازيغية، التي تشكل تنويعات على هوية نوعية أدخلتها عملية المثاقفة في تقابل مع لغة/لغات الأخر؟ كيف يمكن تحقيق معرفة عميقة باللغات الأجنبية، باعتبارها شرطا لكل تقدم في الوقت الراهن، دون المس بالهوية المحلية في بعديها، الواحد والمتعدد، ودون تبذير الموارد المادية؟

أما بالفرنسية أم الإنجليزية يتعين ولوج الحداثة والتقنية؟ الآن وقد بوشرت عملية التعريب، فأي وضع ينبغي منحه للغات الأجنبية؟ كيف يمكن الجمع بين التعريب ومواصلة التحصيل الجيد للغات الأجنبية؟

تلك هي الأسئلة التي تشكل خلفية الكتاب الحالي هو في الأصل مجموعة من الدراسات بعضها صدر ضمن كتاب للمؤلف وبعضها الآخر أنجز تحت الطلب أو شكا موضوع مداخلة في ملتقى علمي. وهي بدون شك أسئلة تقع في صلب الراهنية لكونها، فيما وراء القضايا اللغوية التي تعالجها، إنما تساءل المشروع المجتمعي المغربي برمته،وفي ماضيه القريب وفي حاضره، على السواء، ولربما استشرفت بعض آفاقه المستقبلية كما يتضح من الطرح الذي عالجت به المسألة الفرنكوفونية.

والبحث الحالي، بما يقدمه من نصوص ووثائق، سواء منها تلك التي تعيدنا إلى النقاشات التي عرفتها الستينات والسبعينات في موضوع التعريب ومكانة اللغة الفرنسية وما أفرزته من خطابات، أو تلك التي تهم طرق ومناهج تدريس اللغتين الإنجليزية والفرنسية منذ الاستقلال إلى اليوم، أقول :بذلك، فالبحث الحالي يعتبر واحدا من هذه الدراسات التي يختار، عوضا عن تقديم وصفات تأويلية جاهزة للقارئ، إشراك هذا الأخير في معرفة المادة الخامة للبحث، وبالتالي منحه حرية مشاطرتها تأويلاتها واستنتاجاتها أو الخروج بتفسيرات ورؤى مغايرة. وتلك ميزة نادرا ما تحلت بها معظم البحوث الصادرة في الموضوع…

محمد أسليم

ــــــــــــــــــــــــ

هامش

يراجع بهذا الصدد أيضا المقدمة التي كتبها الأستاذ أحمد بوكوس لكتاب المؤلف(1993).

السابق
المصطفى الغربي – وضعية اللغة الفرنسية في المشهد اللغوي بالمغرب
التالي
A Casablanca, les anges ne volent pas